القديس أنطونيوس الكبير
ميلاده ونشأته
ولد القدّيس أنطونيوس في قرية صغيرة في صعيد مصر تُدعى كوما قرابة العام 250 م. كان أهله من أعيان البلد، ذوي ثروة يعتدّ بها، مسيحيّين فنشأ على التقوى. وكانت له أخت أصغر منه سنّاً. اعتاد ملازمة البيت إلا للضرورة أو للخروج إلى الكنيسة. ولمّا يشأ أن يحصّل العلم الدنيوي تجنّبًا للخلطة بالنّاس. لكنّه كان يُصغي جيّدًا لما يُقرأ عليه ويحفظه في قلبه. سلك في بساطة وامتاز بكونه رضيًّا وعفّ عن الملذات.
لما توفّي والده تأمّل فيه وقال: تبارك الله! أليست هذه الجثّة كاملة ولم يتغيّر منها شيء البتة سوى توقّف هذا النّفس الضعيف؟! فأين هي همّتك وعزيمتك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟! ثم أردف: إن كنت أنت قد خرجت بغير اختيارك فلا أعجبنّ من ذلك بل أعجب أنا من نفسي إن عملتُ مثل ما عملْتَ أنت. وقد ذكر القدّيس أثناسيوس الكبير أنّه ترك العالم بعد وفاة أبيه بستّة أشهر*. فيما ذكرت مصادر أخرى أنّه ترك والده بغير دفن وخرج يهيم على وجهه مخلّفًا وراءه ما كان له من مال وأراضٍ وخدم. لسان حاله كان: ها أنا أخرج من الدنيا بإرادتي كيلا يخرجوني مثل أبي رغمًا عنّي. عمره، يومذاك، كان ثمانية عشرة أو ربما عشرين ربيعًا.
رهبنته
انصرف أنطونيوس إلى النّسك متأمّلاً في ذاته، متدرّبًا على الصّبر. لم يكن في بلاد مصر يومذاك أديار. فقط بعض الشيوخ كان يتنسّك، هنا وثمة، في مكان قريب من بيته أو قريته. فتّش أنطونيوس عن مثل هؤلاء في جواره فوجد بعضًا. كان منهم، على حدّ تعبير القدّيس أثناسيوس، "كالنّحلة الحكيمة" لا يرجع إلى مكانه إلا بعدما يراهم ويتزوّد لديهم بما ينفعه في طريق الفضيلة. يتعلّم من الواحد الفرح ومن الآخر الصّلوات الطويلة. من هذا التحرّر من الغضب ومن ذاك الإحسان. يأخذ عن فلان السّهر وعن فلان الصّبر وعن فلان النّوم على الأرض. لاحظ وداعة هذا وطول أناة ذاك، وتشدّد بإيمان هذا ومحبّة ذاك.
ملاك يزوره
كان أنطونيوس جالسًا في قلاّيته، يومًا، فاستبدّ به روح ملل وصغر نفس وحيرة فضاق صدره وأخذ يشكو الله حاله قائلاً: أحبّ يا ربّ أن أخلص، لكنّ الأفكار لا تتركني، فماذا أعمل؟ فجأة رأى إنسانًا جالسًا أمامه يلبس رداء طويلاً، وهو متّشح بزنّار صليب كالإسكيم الرّهباني، وعلى رأسه قلنسوة. وأخذ الرّجل يضفر الخوص. ثم قام للصّلاة. ثم جلس من جديد وأخذ يعمل في ضفر الخوص وهكذا دواليك. كان هذا ملاكًا من عند الله جاء يعزّي القدّيس ويقوّيه ويعلّمه. لذلك قال له:"اعمل هكذا تستريح!".
من ذلك الوقت، اتخذ أنطونيوس الزيّ الّذي رأى الملاك متّشحًا به وصار يصلّي وعمل على الوتيرة الّتي رآه يعمل لها، فاستراح بقوة الرّب يسوع.
صلاة وعمل وسماع
كان أنطونيوس يصلّي باستمرار ويعمل بيديه. أما عمله فكان يبيعه ويستعين بالحصيلة لتأمين نفسه إتمامًا لما قيل "بعرق جبينك تأكل خبزك". أما الباقي فكان يوزّعه على الفقراء.
إلى ذلك كان يصغي إلى تلاوات الكتاب المقدّس ما وسعه إلى ذلك سبيلاً ويجهد حتّى لا يسقط شيء مما يتلى على الأرض. همّه كان أن يحفظه ليكون في ذاكرته بديلاً عن الكتاب المقدّس.
هجمات شيطانيّة
لم ترق غيرة أنطونيوس لعدو الخير فأخذ يتصدّى له بقوة متزايدة. أخذ يذكّره بالممتلكات الّتي خلّفها وراءه ليبثّ فيه الأسى، وبأخته الّتي أهملها ليشعره بالذنب. عظّم لديه حلاوات مودّة الأقرباء وأطايب العيش. لو بقي في قومه لنفعهم وكان فيهم سيِّدًا. نفخ فيه الشرّير روح المجد الباطل. ذكّره بالمقابل، بصعوبات الفضيلة وجهاداتها. لفته إلى ضعف جسده وطول المدة الّذي ينبغي عليه تمضيتها في أتعاب قد لا تتمخّض في النّهاية عن شيء. وشوش له أن جهده هذا مضيعة للوقت فيما الشباب يعبر ولا يعود. أثار في ذهنه الأفكار القبيحة ودغدغه في جسده وظهر له في الليل بهيئة امرأة لعوب. كلّ هذا وغيره قاومه أنطونيوس بالثبات والعزم والإيمان بالله والصّلاة المستمرّة والصّوم وذكر الموت والنّار والدود. وبنعمة الله غلب.
لم يطق عدو الخير غلبة الشاب عليه. أخذ يصرّ بأسنانه وكأنّه خرج من طوره. أخذ يظهر له في الخيال كعبد أسود. كفّ عن مهاجمته بالأفكار وأتخذ صوتًا بشريًا. سأله أنطونيوس من أنت؟ فقال: أنا صديق الزنى. فاعتصم أنطونيوس بالله وواجه الشيطان بشجاعة قائلاً: أنت تستحق كلّ احتقار! أنت مظلم العقل وعديم القوة! مثلك مثل ولد صغير! لن أهتمّ لك بعد اليوم لأنّ معيني الرّبّ. فلم بعد الشيطان يجسر على الدنو منه. غادره بأصوات مخنوقة من الخوف.
تحصينه لنفسه
لم يُظهر أنطونيوس أي تكاسل أو تراخ لانتصاره على الشيطان. كان يعرف أنّ الشيطان لا بدّ أن يعيد الكرّة وبطرق أخرى "لأنّ الشيطان ربيب الخطيئة". لهذا السبب زاد أنطونيوس من قسوته على نفسه. فكثيرًا ما كان يمضي الليل ساهرًا في الصّلاة. لا يأكل سوى مرة واحدة في اليوم، بعد غروب الشمس، أحيانًا كلّ يومين وأحيانًا كلّ أربعة أيام. طعامه كان الخبز والملح والماء. لا ينام إلا قليلاً على الأرض، ولا يمتّع نفسه بأية لذّة جسدية. يبدأ حياته النّسكيّة من جديد كلّ يوم وكأنّه أوّل يوم له في النّسك. همّه كان أن يظهر أمام الله طاهر القلب، مستعدًا للسّلوك في مشيئته بكلّ قواه.
بين القبور
ولكي يضيّق أنطونيوس على نفسه طلب السّكنى في قبر، بعيدًا عن القرية. طلب من أحد معارفه أن يأتيه بالخبز. أغلق عليه صاحبه الباب وانصرف. فاهتاج الشيطان وأبالسته وكأن أنطونيوس جاء يهاجمه في عقر داره، في مقر الموت. فانقضّ عليه، ذات ليلة، وجرّحه كثيرًا حتّى سقط على الأرض. كان الألم عليه شديدًا، أشدّ من ضربات الإنسان بمقادير، ولم تعد فيه قوة على الكلام. لكن، بعناية الله، أتى صاحبه في اليوم التالي يحمل الخبز. فلمّا فتح الباب رآه مطروحًا على الأرض كالميت فحمله إلى كنيسة القرية حيث تحلّق حوله النّاس تحلّقهم حول رجل ميت. لكنه استردّ وعيه في نصف الليل. وإذ وجد الجميع نيامًا إلا صاحبه أشار إليه بأن يعود به إلى القبر.
لم يقوَ أنطونيوس في القبر على الوقوف. استلقى على الأرض وأخذ يصلّي. ثم صرخ بقوة: أنا هو أنطونيوس! أنا هنا! لن أهرب من جراحاتكم! لا شيء يفصلني عن محبّة المسيح. إني ولو اصطفّ عليّ عسكر فإنّ قلبي لا يخاف (مزمور 26). فجمع الشيطان كلابه وهاجمه من جديد. بدا المكان كما في زلزلة وبدت الجدران مفتوحة والأبالسة تدخل وتخرج منها بشكل حيوانات متوحّشة وزحّافات. ثم أخذت تصوّر له وكأنّها تنقضّ عليه لكنّها لم تقترب منه ولا مسّته بأذى. غير أنّ ضجيج الأشباح كان مخيفًا وغضبهم عنيفًا. الضغظة عليه قوية كانت. ألمه الجسدي كان شديدًا. بدا كأنّه يُجلد ويُنخس. لكنّه كان صاحيًا، ساهرًا، ساكن القلب. قال وهو يهزأ بالشياطين: لو كنتم تملكون القوة لكفاكم أن يأتي عليّ حيوان واحد منكم، لكنّ الرّب جعلكم عديمي القوة!
وإذ رفع أنطونيوس نظره إلى سقف المقبرة رآه ينفتح شيئًا فشيئًا. وإذا بشعاع من النّور ينزل عليه. فجأة اختفت الشياطين وزال ألم جسده وعاد البناء كما كان. فتنفّس أنطونيوس الصّعداء وأدرك أنّه ربّه في النّور. فسأله: أين كنت؟ لماذا لم تظهر قبل الآن لتريحني من العذاب؟ فأتاه صوت يقول له: كنت هنا يا أنطونيوس. كنت أنتظر جهادك. وبما أنّك صبرت ولم تُهزم فسأكون لك عونًا على الدوام وسأعمل ليكون اسمك معروفًا في كلّ مكان. فلما بلغه الصوت تقوّى فنهض وصلّى أحسّ بجسده أكثر قوة من ذي قبل. عمره، يومذاك، كان خمسة وثلاثين عامًا.
إلى الصّحراء
بعد ذلك خرج أنطونيوس إلى الصّحراء. لم يتخلّ الشيطان عن ألاعيبه. جعل له في سبيله قرصًا فضيًا كبيرًا وذهبًا كثيرًا فجاز بالكلّ وهو عالم أنّه من الشرّير لإعاقته وإلهائه. ولما وجد عبر النّهر حصنًا مهجورًا مليئًا بالزحّافات عبر إليه وسكن فيه فهربت الزحّافات. أقفل على نفسه عشرين سنة لا يقبل الخبز إلا مرتين في السّنة من السّقف. فلمّا رغب قوم في الاقتداء به في نسكه أتوا وفتحوا الباب عنوة فخرج إليهم كمن هيكل الله، فتعجّبوا لأنّهم رأوه في حالته المعتادة. لا ترهّل ولا ضعف. كان عقله راجحًا وحالته طبيعيّة. لم يكن عابسًا ولا ضاحكًا. وقد أعطى الرّبّ الإله بواسطته الشفاء لعدد كبير من المرضى الحاضرين وطهر آخرون من الشياطين. كما أعطاه الرّب نعمة كبيرة في الكلام فعزّى الحزاني وصالح المتخاصمين. قال لهم: ينبغي ألا نصنع في العالم شيئًا أرفع من محبّة المسيح. حثّهم على تذكّر الخيرات الآتية ومحبّة الله للإنسان، وأقنع الكثيرين باختيار حياة التوحّد. هكذا نشأت الأديار على الجبال واستحالت الصّحراء مدينة.
حمل ثقيل.
ومع أنّ الشياطين اعترفت بالحقيقة للرّبّ:"أنّك أنت ابن الله" (لوقا 4) فقد أغلف أفواهها وأعاقها عن الكلام خوفًا من أن تزرع الشر مع الحق، ومن أن نألفها ونصغي إليها، حتّى ولو نطقت بالحق. فمن غير اللائق أن نتعلّم من الشيطان الّذي لم يحافظ على مركزه.
وبما أنّ الشياطين لا تقدر على شيء فإنّها تلجأ إلى التهديد، إذ لو كانت ذات قوة لما تردّدت في ارتكاب الشر حالاً ولما تركت مسيحيًا واحدًا على قيد الحياة.
السّلاح الكبير ضد الشياطين هو حياة مستقيمة وإيمان بالله. فهي تخاف صوم النّسّاك وسهرهم وصلواتهم ووداعتهم وسكينتم وعدم محبّتهم للفضّة وكرههم للمجد الباطل واتضاعهم ومحبّتهم للفقراء وإحساناتهم وعدم غضبهم، وقبل كلّ شيء إيمانهم بالمسيح.
وإذا ما تظاهرت الشياطين بالنّبوءة قال تبالوا بها. إنّها لا تعرف الأمور الّتي لم تحدث. وحده الله يعرف كلّ شيء قبل حدوثه. للشياطين أجساد أكثر خفّة من أجساد النّاس لذلك تسرع وتخبر بأشياء حدثت بالفعل. وهي لا تفعل هذا حبًّا بالنّاس بل لتقنعهم بأنّها قادرة فيثقوا بها؛ ومتى ملكتهم انقضّت عليهم وأهلكتهم. هي تقوى على التخمين ولا تقوى على المعرفة المسبقة. فلا تعجبنّ بها ولو تكلّمت بالصّدق أحيانًا، ثم ماذا ينتفع الّذين يصغون إلى الشياطين إذا ما عرفوا المستقبل قبل أيام؟ المعرفة لا تصنع الفضيلة ولا هي علامة الخُلق الصّالح. لا يدان أحد لأنّه يجهل المستقبل ولا يُطوّب لأنّه يعرفه. بل سيحاكم المرء على صونه الإيمان وحفظه الوصايا.
لا نتعبنّ للحصول على معرفة المستقبلات بل لارضاء الله بسيرتنا. وأنا أؤمن أنّ النّفس المتطهِّرة من الأفكار الشرّيرة والمحافظة على الطبيعة الّتي خلقها الرّبّ فيها تقدر أن تكون رائية أكثر مما يرى الشيطان. لأنّها تملك الرّبّ الّذي سيعلن لها كلّ شيء.
أما كيف نفرِّق الأرواح الشرّيرة عن الأرواح الصّالحة فالرّب يعطينا قوة التمييز بينها. لا يكون ظهور الأرواح الصّالحة مرعبًا بل هادئًا. تخلق فرحًا في النّفس وشجاعة. والأفكار الّتي تولّدها تبقي النّفس غير متزعزعة إلى أن تنيرها من هذا الفرح فتعرف. والأرواح الصّالحة تطرح الخوف بالمحبّة الّتي تظهرها كما فعل الملاك الّذي ظهر للنّسوة عند قبر الرّب وعندما ظهر للرّعاة. أما هجوم الأرواح الشرّيرة وظهورها الخالي فترافقه جلبة وضربات وأصوات وصراخ كهجوم الأولاد الأشرار واللصوص. ومتى ظهرت ساد الرّعب واضطراب النّفس وتشويش الفكر والتهجّم والتهامل والحزن وتذكّر الأقرباء وخوف الموت. وفوق ذلك نتجت رغبة في الشرّ وكسل في اكتساب الفضيلة واضطراب في الخُلق. إذا رأيتم روحًا واعتراكم الخوف أولاً ثم حلّ محل الخوف فرح لا يُعبّر عنه وحماس وشجاعة وإقدام ومحبّة لله فتشجّعوا وصلّوا للرّب. أما إذا رأيتم أرواحًا أثارت فيكم اضطرابًا وضرابات خارجية وتخيّلات دنيوية وتهديدًا بالموت فاعلموا أنّه هذا هجوم من الأرواح الشرّيرة.
وتكلّم القدّيس أنطونيوس عن نفسه، قال: كم من مرة طوّبتني الشياطين وباسم الرّب أبدتها! أتت مرّة في الظلام حاملة نورًا خياليًا وقالت: أتينا لننيرك يا أنطونيوس فأغلقت عينيّ وصلّيت فانطفأ نور الأشرار للحين. أتتني ترتّل وتتفوّه بآيات كتابية فكنت كأصمّ لا يسمع! ظهر لي مرة شيطان متعظّم طويل القامة جدًا وتجرّأ على القول: أنا هو قوّة الله، أنا هو العناية الإلهية، ماذا تريد أن أعطيك!؟ أما أنا فذكرت اسم المسيح وبصقت عليه وأعتقد بأني لطمته. وحالما سمع اسم المسيح اختفى ومن معه، مرة كنت صائمًا فأتاني الشيطان كراهب وفي يده خبز خيالي وقال لي: كلْ وكفّ عن العذابات الكثيرة. أنت إنسان وسوف تمرض! فأدركت حيلته ونهضت للصّلاة فاختفى للحين.
عندما تأتي الشياطين علينا فإنّها تعاملنا بحسب حالتنا النّفسية مكيِّفة التخيلات الّتي تثيرها وفق أفكارنا وتفعل بمغالاة ما تجدنا مفكّرين فيه. فإذا وجدتنا خائفين أكثرت التخيّلات والتهديدات لتعذِّب النّفس الشقيّة. وإذا وجدتنا فرحين بالرّب، مفكِّرين في الصّالحات ابتعدت عنّا خازية. فلكي نزدري العدو علينا أن نتذكّر الإلهيّات دائمًا وأن تكون نفسنا فرحة.
اضطهادات وبطولة
وساد الكنيسة اضطهاد في زمن الأمبراطور الرّوماني مكسيميانوس. فترك القديس أنطونيوس منسكه وتبع الشهداء القدّيسين إلى الإسكندريّة. حرّكه الشوق إلى موت الشهادة. لم يسلم نفسه بل خدم المعترفين بالإيمان في السّجون والمناجم وشدّدهم أمام المحاكم. كان يقبِّل الشهداء ويرافقهم حتّى يقضوا نحبهم. وقد عرّض نفسه للموت مرارًا. كان يصلّي لكي يستشهد لكنّ الرّب حفظه من أجل منفعتنا ومنفعة الآخرين. وعندما رأى الكثيرون أسلوب حياته رغبوا في الاقتداء به.
إلى الصّحراء الدّاخليّة
لما رأى القدّيس أنطونيوس أنّ النّاس يقمعونه ولا يتركون له فرصة للخلود إلى النّسك على هواه فكّر في الصّعود إلى ثيبة العليا حيث لا يعرفه أحد، لكن صوتًا جاءه وقال هل أن يدخل إلى الصّحراء الدّاخليّة. ولكي يتبيّن الطريق إلى هناك مرّت به جماعة من البدو رضيت أن يصحبها. فبعدما سار ثلاثة أيام وثلاث ليال أتى إلى جبل عال فيه مياه عذبة باردة وسهل يضمّ أشجارًا من النخيل.
عاش أنطونيوس هناك وحيدًا أوّل الأمر وكان البدو يمرّون به ويقدّمون له بعض الخبز. اكتفى بالخبز والبلح. ثم عرف تلامذته مكان وجوده فأخذوا يرسلون إليه الطعام. كما أتوه بمعول وفأس وبعض القمح فأخذ يفلح الأرض ويزرعها. قصده كان أن يأكل من تعبه ويخفّف عن الإخوة مشقة تزويده بما يحتاج إليه. كما زرع بعض الخضار لأنّ قومًا كانوا يزورونه، فأحبّ أن تكون لهم الخضار عزءًا. وكانت الوحوش تأتي وتشرب من الماء في بقعته، وكثيرًا ما أتلفت مزروعاته. فأمسك وحشًا بلطف مرة وقال له: لماذا تسبّبون لي الآذى وأنا لا أصنع بكم شرًّا؟ باسم الرّب يسوع ابتعدوا عن المكان! من ذلك الحين لم تعد الوحوش تقترب.
من عجائبه
اثنان من الرّهبان كانا ذاهبين مرة إلى الدير فنفد ماؤهما في الطريق، وكانا على بعد يوم واحد فمات أحدهما وأشرف الثاني على الموت. في تلك السّاعة استدعى القدّيس أنطونيوس في الجبل راهبين وقال لهما: خذا جرّة ماء واحملاها بسرعة إلى الطريق المؤدّي إلى مصر. هناك تجدان راهبين أحدهما مات والآخر ينتظر الموت ما لم تسعفوه. هذا ما أعلنه الله لي فيما كنت أصلّي. ولما وصل الراهبان إلى المكان وجدا كما قال لهما القدّيس فأعانا الحي فانتعش ودفنا الميت. ولعلّ سائلاً يسأل: لماذا لم يتكلّم أنطونيوس قبل موت الثاني؟ هذا قول في غير محلّه لأنّ حكم الموت لم يكن في يد القدّيس بل في يد الله الّذي حكم على الواحد بالموت وأعلن عن الآخر للحياة.
وفيما كان أنطونيوس جالسًا في الجبل، مرة، رفع عينيه إلى السّماء فرأى إنسانًا مرتفعًا ورأى الّذين يصادفونه فرحين جدًا. وفيما كان القدّيس يتعجّب ويطوّب هذا المصف الجليل صلّى لكي يعرف من هو. فأتاه صوت يقول له إنّها نفس آمون راهب نترية. المسافة بين الجبل ونترية كانت ثلاثة عشر يومًا. فأخبر أنطونيوس تلاميذه أنّ آمون مات منذ برهة, فلما مضى ثلاثون يومًا على ذلك، أتى بعض الإخوة من نترية وأخبروا عن موت آمون الشيخ في نفس اليوم ونفس السّاعة الّتي أخبر عنا أنطونيوس.
كذلك أخبروا أنّه لما نزل أنطونيوس إلى الأديار الخارجيّة طلب منه الرّهبان أن يصعد إلى السّفينة ليصلّي معهم. فاشتمّ رائحة نتنة جدًا فسأل عما تكون، فنفى ركاب السّفينة أن يكون على ظهر السّفينة غير السّمك المملّح. وفيما أنطونيوس متحيّر متسائل إذا بشاب فيه أرواح نجسة، وكان مختبئًا، يُظهر ذاته. فزجر أنطونيوس الشيطان باسم الرّب يسوع فخرج منه وعاد الرّجل صحيحًا. إذ ذاك تبدّدت رائحة النتن بالكلّيّة.
خارج نفسه
نهض أنطونيوس مرة، للصّلاة في السّاعة التاسعة فشعر بأنّه يُخطف عقليًا. كان ينظر إلى نفسه وكأنّه واقف خارجها، كما أحسّ بأنّ هناك من يقوده في الفضاء. غير أنّ جماعة من الأرواح الشرّيرة اعترضت سبيلهم وطلبت أن تعرف ما إذا كان أنطونيوس مسؤولاً أمامها أم لا. ولما رغبوا في محاسبته على أعماله منذ يوم ولادته لم يسمح لهم الّذين كانوا يصطحبونه قائلين: كلّ شرّ فعله من يوم ولادته محاه الرّب. ولكن مسموح لكم التحدّث عما فعله من اليوم الّذي صار فيه ناسكًا وأعطى الرّب وعدًا. وإذ كانت التهمة من دون إثبات خلت طريقه من العوائق. فلما عاد أنطونيوس إلى نفسه رأى أنّه واقف أمام ذاته، فاندهش لأنّه عرف كم علينا أن نحارب من الأعداء وبأية أتعاب سيعبر المرء الفضاء.
خُلقه
كان أنطونيوس يحترم قوانين الكنيسة ويجلّ الإكليروس ويحني رأسه للأساقفة والكهنة. لم يكن يخجل من أن يتعلّم من أحد. كما كان يطرح الأسئلة ويرجو أن يسمع آراء الإخوة. وإذا ما اتفق أن وُجد وسط جمهرة من الرّهبان وأراد أحدهم التعرّف إليه، كان يدنو منه على الفور ويوجّه كلامه إليه. لم يكن مختلفًا عن باقي الرّهبان في طول قامته وعرضها بل خُلُقه وطهارة نفسه. نفسه هادئة وحواسه مستكينة ووجهه وضّاء لفرح بالرّبّ. كلّ حراكات جسده كانت تعكس حالة روحه. ولم يكن عابسًا أبدًا.
دحضه للهرطقات والمنشقين
وكان للقدّيس دوره في دحض عدد من الهرطقات الّتي شاعت في زمانه. لم يكن في شركة وأتباع مليتيوس، أسقف ليكوبوليس المصريّة، الّذي سام أشخاصًا من خارج أبرشيته فأحدث شقاقًا دام سنوات. كما علّم أنّ مصادقة المانويّين، القائلين بإلهَي الخير والشر، دمار للنّفس، وأوصى بعدم الاقتراب من الآريوسيّين أو مشاركتهم معتقدهم الوخيم. وقد طرد الآريوسيّين الّذين أتوا إليه في الجبل ليكلّموه. قال إنّ كلامهم أخطر من سمّ الأفاعي.
يذكر أنّ أنطونيوس نزل من الجبل وأتى إلى الإسكندريّة ليشهد للإيمان القويم ويشجب الآريوسيّة. قال: هذه الهرطقة سابقة للمسيح الدّجال ولا يختلف أتباعها عن الوثنيّين في شيء. وقد أخرج الرّب الإله على يديه، هناك، شياطين كثيرة. كما أثّر في نفوس العديد من الوثنيّين حتّى قيل إنّ الّذين اعتنقوا المسيحيّة بفضله، في أيام قليلة، فاق الّذين يعتقنقونها في سنة كاملة. ولما أراد قوم إبعاد الجموع عنه لئلا يزحموه ويزعجوه أجاب: ليست الجموع أكثر عددًا من الشياطين الّتي نصارعها في الجبل.
مع الفلاسفة
لم يتعلّم القدّيس أنطونيوس القراءة والكتابة، لكنّه كان رجلاً ذكيًا حكيمًا. جاءه مرة فيلسوفان فعرفهما من وجهيهما وقال لهما من خلال مترجم: لماذا أتعبتما نفسيكما في المجيء للقاء رجل أحمق. ولمّا قالا له إنّه ليس أحمق بل حكيمًا، أجابهما: إذا ابتغتما رجلاً أحمق فباطلاً تعبتما وإذا حسبتماني فطنًا فكونا مثلي لأنّ المرء يحبّ أن يقتدي بالخير. فتعجبّا منه وتركا المكان.
وظنّ فلاسفة آخرون، أتوا إليه، أن بإمكانهم أن يسخروا منه، فسألوه: هل العقل سبب العلم أم العلم سبب العقل؟ أجاب: ذو العقل الصّحيح لا يحتاج إلى العلم! فاندهشوا وذهبوا متحيّرين.
هذا ولم يكن أنطونيوس فظّ الخُلق بسبب عيشه في الجبل بل كان فرحًا واجتماعيًا، وكان القادمون إليه يُسرّون به.
مرة، حاول بعض الفلاسفة استعمال القياس المنطقي في كلامهم على الصّليب الإلهيّ، فحدّثهم طويلاً ثم ختم حديثه بالقول: أنتم لا تؤمنون بالله لأنّكم تطلبون مقاييس منطقية. نحن لا نعتمد أساليب الحكمة الهلينيّة في الإقناع بل نُقنع بالإيمان الّذي يسبق الصّناعة المنطقية. وكان هناك، قريبًا منه، مرضى بهم شياطين فأقامهم في الوسط قائلاً: أبرئوا هؤلاء بقياسكم المنطقي أو بأي فن آخرى أو بالسّحر وادعوا أصنامكم! فإذا كنتم لا تقدرون على إخراج الشياطين فأوفقوا حربكم ضدّنا فتروا قوّة صليب المسيح. ولما قال هذا دعا باسم يسوع ورسم إشارة الصّليب ثلاث مرّات على المرضى فنهضوا للحين كاملي العقل يسبّحون الله. فتعجّبوا وانصرفوا بعدما قبّلوه واعترفوا بالفائدة الّتي نالوها منه.
يذكر أنّ آخر الدّراسات بشأن رسائل القدّيس أنطونيوس السّبعة بيّن أنّ قدّيسنا لم يكن أميًّا وكان يعرف اليونانيّة بعضًا وكان عارفًا ببعض التيّارات الفلسفيّة، أقله في المستوى الشعبي، كما كان متأثّرًا بفكر المعلمين اللاهوتيين المصريّين، أمثال أوريجنيس وكليمنضوس الإسكندري.
الرّهبان كالسّمك
جاء إلى أنطونيوس، مرة، قائد عسكريّ ورجاه أن ينزل من الجبل لمقابلته فنزل وكلّمه وطلب العودة سريعًا، فتمنى القائد عليه أن يبقى معه مدّة أطول فأجابه: إذا بقي السّمك على اليابسة طويلاً مات، وإذا أقام الرّهبان بين النّاس طويلاً أصيبوا بالتّراخي.
توديعه ورقاده
وكان جبل القدّيس أنطونيوس جبلين، واحد خارجي وواحد داخلي. وقد اعتاد زيارة الرّهبان في الجبل الخارجي. فلما أتاهم مرة عرّفته العناية الإلهيّة أنّه على وشك المغادرة إلى ربّه فكلّمهم قائلاً: هذه هي زيارتي الأخيرة لكم. لا أدري إذا كنا سنلتقي في هذه الحياة بعد اليوم. حان وقت رحيلي وقد بلغت مائة عام وخمسة. فبكوا وعانقوه. فكلّمهم وكأنّه يترك مدينة غريبة ليعود إلى مقرّه. أوصاهم ألا يتهاملوا في الأتعاب ولا يكلّوا في النّسك بل أن يعيشوا وكأنّهم يموتون كلّ يوم. كما أوصاهم بحفظ أنفسهم من الأفكار الدنسة، والسّلوك في غيرة القدّيسين وحفظ تقليدات الآباء. ثم غادرهم.
بعد أشهر قليلة مرض فدعا النّاسكَين اللذين كانا معه خمسة عشر عامًا وخدماه في شيخوخته. قال لهما: ها أنا أسير على طريق الآباء والرّب يدعوني. فكونا صاحيين. اهتمّا بالحفاظ على غيرتكما كما لو كنتما في البداءة. تنفّسا المسيح دائمًا وآمنا به. تذكّرا نصائحي. اتحدا أولاً بالمسيح ثم بالقدّيسين الّذين ستلتقيانهم بعد الموت في المساكن الأبدية. لا تفسحا في المجال للآخرين بنقل جسدي إلى مصر كي لا يضعوه في بيوتهم. ادفنا جسدي تحت التراب ولا يعرف أحد غيركما المكان لأنّي سأحصل عليه بلا فساد في قيامة الأموات. وزّعا ثيابي. أعطيا أثناسيوس ثوبي الّذي كان كفراش لي والأسقف سيرابيون ثوبي المفرّى الآخر، واحتفظا أنتما بكسائي المكسو بالشعر.
وحالما قال هذا عانقاه فمدّ رجليه ونظر إليهما كصديقين قادمين إليه، وفرح جدًا والتمع وجهه بهاءً. ثم مات وانضمّ إلى الآباء.
- عدد القراءات: 86
- أرسل هذا الخبر
- نسخة للطباعة












